عبد الرزاق اللاهيجي

62

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

الشارحان القديمان اتفقا في شرح كلام المصنف على الاقتصار بثانى الوجهين وجعل الجوابين جوابين عنه ولا يخفى بعده عن سوق كلام المصنف ثم إن الامام الرازي اعترض على ما يبتنى عليه أصل الجواب من قولهم لا تمايز بين الأجناس والفصول في الأعيان بل في الأذهان بان حكم العقل بالتمايز ان طابق الخارج عاد كلام مثبتى الحال وان لم يطابق كان جهلا لا عبرة به والجواب عنه انه ان أريد بالمطابقة ان يكون في الخارج بإزاء كل صورة ذهنية هويّة على حدة فلا نسلم لزوم الجهل على تقدير عدمها والا لم يصدق الحكم بشيء من الاعتباريّات وانما يلزم الجهل لو حكم بان كل صورة ذهنية صورة لهوية عينية على حدة وليس كذلك وان أريد ان يكون بإزاء كل صورة هويّة يكون المتحقق من تلك الصورة في الخارج تلك الهوية والحاصل من تلك الهوية في الذهن تلك الصّورة فلا نسلم ان المطابقة بهذا المعنى يستلزم ان يكون هناك أمور متمايزة بحسب الخارج وانما يلزم ذلك لو لم ينتزع العقل من هوية واحدة صورا مختلفة باعتبارات مختلفة كما سيأتي تحقيق ذلك ثم إن المصنف لما أشار إلى الأجوبة عن وجوههم بالمنع أراد ان يشير إلى الجواب عنها بطريق النقض أيضا فقال ونوقضوا بالحال نفسها يعنى انّ مثبتى الحال نوقضوا في هذه الوجوه بالحال نفسها وبيانه ان حاصل ادلّتكم هو ان الموجودات مشتملة على ما به الاشتراك وما به الامتياز مما ليس بموجود ولا بمعدوم فهو حال وهذا بعينه وارد عليكم فان الأحوال كلها مشتركة في الحالية ومختص كل منها بما به امتياز عن الأحوال الاخر وهما ليسا بموجودين والا لزم قيام الصفة بالصفة وهو محال كقيام العرض بالعرض بلا فرق ولا بمعدومين والا لتقوم ما ليس بموجود ولا بمعدوم بالمعدوم وهو أيضا محال كتقوم الموجود بالمعدوم بالضرورة فهما حالان ويشتركان مع ساير الأحوال في الحالية ويمتازان بما به الامتياز وهكذا إلى غير النهاية فيلزم التسلسل هذا هو تقرير النقض على ما يوافق المشهور ولا يخفى توقفه على كون ما به الاشتراك جنسا وعليه منع ظاهر ولعل المصنف للإشارة إلى ذلك قال ونوقضوا بالحال نفسها تدبر ودفعه الامام الرازي بان الحالية ليست صفة ثبوتيّة حتى يلزم ان يكون للحال حال اخر إذ لا معنى للحال الا ما لا يكون موجودا ولا معدوما وهو صفة سلبية فلا يكون الاشتراك فيها اشتراكا في حال ليلزم تسلسل الأحوال وردّه المصنف على ما في شرح المقاصد بان الحال ليس عندهم سلبيا محضا بل هو وصف ثابت للموجود ليس بموجود ولا بمعدوم ولهذا لم يجعلوا المستحيل حالا مع أنه ليس بموجود ولا بمعدوم فاذن الحال يشتمل عندهم على معنى غير سلب الوجود والعدم يختص بتلك الأمور التي يسمّونها ويشترك الأحوال فيه هذا ثم إن القائلين بالحال اعتذروا عن هذا النقض بوجهين الأول منع قبول الحال التماثل والاختلاف فان ذلك عندهم من خواص الموجود والثاني التزام التسلسل في الثابتات ومنع استحالته والبرهان قائم في الأمور الموجودة دون الثابتة والمصنف أشار إلى بطلان هذين الوجهين بقوله والعذر بعدم قبول التماثل والاختلاف والتزام التسلسل باطل امّا بطلان الأول فلان قبول الحال التماثل والاختلاف ضروري فان كل شيئين يشير العقل إليهما فامّا ان يكون المعقول من أحدهما هو المعقول من الآخر أو لا فعلى الأول هما المتماثلان وعلى الثاني هما المتغايران فان قيل هذان هما التماثل والاختلاف باصطلاحكم ونحن انما أخذنا في دليلنا التماثل والاختلاف باصطلاحنا وهو ما يكون بين موجودين